هنا القدس|تجسّد رواية حي الأميركان منعطفا متميزا في مسار الروائي جبور الدويهي، لا من حيث موضوعها وأجواؤها ومناخاتها المتقاطعة، بل أيضا من حيث الأسلوب المتميز الذي شيدت به عوالمها ولغتها السردية الآسرة، وبلاغتها السردية الملتوية التي تعتمدها في حبك الأحداث وتوصيف العوالم والشخصيات.

وبقدر ما توفّق الدويهي في تدشين صوته الروائي عبر روايتيْ (مطر حزيران) و(شريد المنازل)، نجح في جعل روايته الجديدة (حيّ الأميركان) إضافة نوعية تبرز إصرار الكاتب على الاجتهاد في تقليب صوته على أوجهه، وإتحاف المتلقي بالجديد والمختلف، تحاشيا للتكرار، وتفاديا للتجربة الخطية النمطية في الكتابة.

ويراهن الدويهي في هاته التجربة على تشريح الواقع العربي سياسيا واجتماعيا عبر قراءة واقع مدينة طرابلس اللبنانية تخييليا، وتقديمها إلى القارئ في وصلة سردية درامية مختزلة تشهد على ما يقارب قرنا من الزمن، مرتكزا في ذلك على تصوير التجارب الإنسانية الصعبة والمنعطفات الحاسمة في تاريخ لبنان عبر بوابة مدينة اسمها (طرابلس)، وحيّ اسمه ( حي الأميركان)!

سيرورة السقطات
تروم الرواية تسليط الضوء على الوضع الذي يعيشه العالم العربي من تمزقات وصراعات دامية، وانتكاسات اجتماعية وسياسية يكون دوما ضحيتها الكبرى الإنسان وقيمه.

إنها تتجه إلى حي الأميركان بعينه، لكنها تجعله نموذجا فحسب لتعرّي من خلاله الواقع العربي الدرامي الذي قادته السياسة العمياء التي تقودها الأيدولوجيا المتحجرة والمطامح الانتفاعية نحو الهاوية. وهي تنطلق من الزمن الحالي الذي تحركه شخصيات من قاع الحي وباقي الأحياء المجاورة، في فضاء يبدأ ضيقا ثم ينفتح بالتدريج ليصل باريس، فتصل رائحة فساد وضعه إلى كل العالم.

ويبيّن الدويهي في هذا المتخيل الروائي أن الأزمة المتعددة التي انفجرت في وجه العالم العربي، الآن وهنا، من صراعات وتناحرات وصراع طبقي، واستئصال الإنسان، وتحقير لقيمه الوجودية التي ناضلت الإنسانية من أجل ترسيخها عبر القرون، لم تكن وليدة اليوم أو الأمس القريب، بل لقد تخمّرت عبر الزمن، وهيّأتْ لها الأوضاع السياسية والاجتماعية المتراكمة، إذ يقتفي السارد أثر هذه الخيبات، مستجليا خيوطها من ذاكرة الشخصيات الجريحة، وماضيهم القاسي الحافل بالاندحارات الاجتماعية والفشل السياسي، عبر تقنية (الفلاش باك) والتداعيات والاسترجاعات.

يحفر السرد في مخيلة الشخصيات التي تؤثث المتن الروائي باحثا عن أسئلة ملحاحة من قبيل: ما الذي حدث؟ وكيف حدث ما حدث؟ ومتى؟ وأين؟ وما السبل الكفيلة بالحد من هذا الغليان والتأجج في التناحر والانزياح عن قيم البشر؟ ويسعى من خلال مجاراة بوح كل من آل العزام، ومصطفى، وعبد الله، وعبد الكريم، وانتصار ووالديها: أم محمود وأبو محمود، وابنيها إسماعيل ومحمود، وزوجها بلال محسن، فضلا عن الشخصية المفارقة (عبد الرحمن البكري المشنوق). 
وقد انعكس هذا الإحساس على مستوى التداخلات والتقاطعات التي تميز مكونيْ (التفضية والتزمين) داخل الرواية، ذلك أن الزمن السردي زمن نفسي متحول ومتعال على القبض، لأن سيكولوجية الشخصيات هي المحدد الوحيد للإيقاع الروائي، ولخريطة التمفصلات الدلالية المرتبطة بعوالم النص، تلك التي تبدو مرتجة بفعل التوتر المتزامن، والعلاقات اللامتوازنة على مستوى الذات والهوية والآفاق المستقبلية المعتمة.


اعتمد الروائي في هندسة نصه على بلاغة سردية متميزة انبثاقا عن إيمانه القوي بتعلق الشكل بالمضمون، ووظيفته المثلى في تمتين الخطاب. لذلك، فهو يتخير معجمه السردي تلاؤما مع المعطيات الداخلية للنص، ويلوي عنق الجمل التي تلبس رداء التعدد، فتصبح الجملة عبارة تتناسل فيها الجمل وتطول، وتكون فيها العناصر مولّدة لعناصر جديدة يطاردها الحكي على سبيل التناسل السردي: الجمل تلد جملا، والحدث يلد أحداثا، والشخصية تحيل على شخصيات، والمكان يسافر بك إلى أمكنة... ناهيك عن أن الكل يصاغ في حلة بلاغية ترعاها السخرية والمفارقة.

ويظهر هذا التوليد في السرد أيضا على مستوى التعامل مع المكونات الكبرى للسرد، إذ تبدو الأحداث و(الزمكان) والشخصيات عناصر تكاد تكون مستنسخة رغم فارق الزمن والمكان اللذين يبدوان نفسيين في عمقهما. فتجربة بلال محسن السياسية تتوقف مدة، لتحيا من جديد في مسار شخصية ابنه إسماعيل، بينما تدور باقي الشخصيات في فلك الدراما الاجتماعية نفسها.

لقد نجح الدويهي في هذا المسرد الروائي في تصوير مأساة الإنسان العربي المعاصر في ظل التحولات الاجتماعية الاقتصادية والسياسية التي تعصف بالعالم دون هوادة، ملتقطا المؤشرات العميقة والتفاصيل الشاردة، محولا إياها إلى عالم طافح بالمعنى، عالم شديد الاختزال، قوي الإيحاء. لكنه مع ذلك لم ينسق وراء الوقائع، بل ظل دوما مناصرا لقضية الإنسان، متطلعا إلى غد يغمره التفاؤل والأمل!

المصدر : الجزيرة