فايندر - تحقيقات صوتية محافظات أخبار القدس تحقيقات هنا القدس شؤون الأسرى تقارير خاصة مقالات ومدونات صحافة إسرائيلية تكنولوجيا من هنا وهناك صحافة المواطن رياضة رياضة - عربية رياضة - عالمية جامعة القدس منوعات منوعات - صحة منوعات - ثقافة وفن ناس من القدس القدس تيوب صحافة المواطن - تقارير اذاعية من نحن اتصل بنا
أخر الاخبار
جامعة القدس تعقد سلسلة من الأنشطة والفعاليات التربوية الهادفة حتى الحمام والقطط تجد رزقها في فجر الأقصى ماذا سيحصل للأرض في حال وقوع حرب نووية بين الهند وباكستان؟ هكذا يُعامل حراس الأقصى.. قصص اشتباك "الرجبي" مع الاحتلال منيب رشيد المصري يوقف 25 مليون دولار لصالح العمل التنموي في فلسطين أكاديمية القدس للإبداع الشبابي تتوج الأعمال الابداعية لطلبتها في المرحلة الأولى شاهد- استشهاد فلسطينية على حاجز قلنديا جامعة القدس تفتتح أضخم مشروع ترميم في البلدة القديمة بمدينة القدس العليا الاسرائيلية تعطي صلاحيات باحتجاز جثامين الشهداء فلسطينيون أمام السفارة الكندية.. يطالبون بفتح ابواب الهجرة تحريض إسرائيلي على "مدارس الإيمان" المقدسية الاحتلال يعتقل 7 مواطنين تحذيرات من تفاقم الحالة الصحية للأسرى المضربين غنام وخلوف وقعدان وفاة أصغر أبناء الرئيس المصري الراحل محمد مرسي السلطة تقدم تقريراً عن الانتهاكات الاسرائيلية للامم المتحدة

بين القدس التي في الوجدان والقدس المَعيشة | سُمُو يونس

بتاريخ الأحد 20/7/2014

الثلاثاء، الأول من تموز، مساءً وصلت القدس، مقابلة عمل تنتظرني غدًا صباحًا لوظيفة طالما رغبت بها. في حديث مسبق مع صديقة استضافتني هناك شدّدت: "الليلة لن نقضي الوقت خارجًا، لن نخرج لقضاء أوقات ممتعة، سأستعد للمقابلة، لن أضيّع فرصة كهذه". لم يخطر ببالي أنّ المساء سيكون مختلفًا، أنّ الإحساس سيكون مختلفًا، وأن آخر ما سأفكّر فيه هو تلك المقابلة.

أطعت أمّي التي اقترحت ألاّ أسافر بسيارتي، فالوقت عصر وأنا صائمة، والجّو حارّ والطريق طويل، ولم يسبق أن قُدت فيه، ومعرفتي بحواري القدس وشوارعها هي بحجم عدد المرات التي زرتها، والاستعانة بتطبيق  دليل الطرق  (GPS) من شأنه أن يشتت تركيزي. أقلّتني إلى محطة الباص السريع الأقرب للبلد، على الشارع الرئيسي لوادي عارة، استقليت الحافلة ونزلت في محطة الباصات المركزية، أخذت القطار الداخلي باتجاه شقة صديقتي، أحصيت الدقائق التي تفصلني عن وجبة الإفطار، صوم ست عشرة ساعة في يوم صيفيّ حار وعناء سفر سينتهي بوجبة طيّبة، على الأقل هكذا وعَدَت صديقتي. للحَيْطة، ولإضفاء لمسة بيتوتية على المائدة تزودت بشيء من الطعام لجميعنا.

أستمع لموسيقاي من الهاتف الذكيّ خاصّتي، الوسيلة المثلى لقضاء الوقت في هذه الحالة، وفيما أنا كذلك لاحظت عددًا من الشباب، والذين يشاركون في مظاهرة "الموت للعرب" - هتاف محبب وذو شعبية متصاعدة لدى أمثال هؤلاء في السنوات الأخيرة - في مركز المدينة حيث يمر القطار، أثناء محاولتهم الاعتداء على مسافرة عربية، توشّحت حجابًا، وكانت تجلس على المقعد التالي لمقعدي في الجهة الموازية للقاطرة. بصقوا نحوها، أشاروا  لها بحركات بذيئة وطرقوا بقوة على زجاج  الشباك المحاذي لها محاولين كسره والوصول إليها، صمد الأخير وأنقذها من براثنهم، بأعجوبة حالَ زجاج شباك القطار بينهم وبين التجربة الأكثر ترويعًا والتي كان بالإمكان أن أشهدها حتى تلك اللحظة من حياتي.

أزحت السّماعات عن أذنيّ وفقدت كلّ رغبة لي بالموسيقى، اقتربت منها، أعترف، بعدما زال الخطر، حاولت أن أواسيها، أن أهدئ من روعها، وأنا إليه أقرب "لا عليك"، قلت، "كلنا نمرّ أيامًا صعبة". هذه المرة، الخلفية هي اختفاء/اختطاف ثلاثة فتيان من المستوطنين منذ ثمانية عشر يومًا. في قرارة نفسي حمدت الله مليون مرة ومرة على أن سِحْنَتي وهيئتي الخارجية لم تكشف لهم هويتي القومية، لن أعتذر على هذا! مع ذلك، من يدري؟! ربّما كنت سأكون ضحية الاعتداء التالية.

في ذاك المساء فكرت في كلّ شيء عدا الاستعداد للمقابلة، صورة المرأة التي قامت زمرة الشباب بالاعتداء عليها، لم تفارق مخيّلتي لحظة.  فتيان لم يتربوا على كيفية احترام الآخر، لا ولا على أبسط حقوق الإنسان بالتنقل بحرية ودون الشعور بخطر على حياته، الضعف وانعدام الحيلة اللذان اعترياني  في مواجهة إمكانية  التعرّض لهجوم، ومشاعر اللا حول ولا قوة ضاعفت انفعالي وتألّمي، أرّقتني واكتنفتني بالكامل. 

لاحقاً في تلك الليلة وفيما نحن نجلس ونتحادث في محاولة لسدّ فجوات انقطاع التواصل منذ فترة، نحتلن بعضنا البعض بتطورات حيواتنا، اقترحت عليّ شريكة صديقتي التي عرفتها للتوّ "نوخذ لفة" بسيارتها كي يُعرّفْنني على المنطقة والمسار الذي سأتخذه، وأي الحافلات العامة عليّ استخدامها صباحًا. صعدنا إلى السيارة، حفظت الطريق عن ظهر قلب. أعرف ذاتي، حباني الله بقوة استيعاب جيّدة وسريعة، لكن يبدو أنها لم تكن كافية لأتنبأ أنّ العناء الذي تكلّفناه لن يكون عمليّاً في الغد.

استيقظت في اليوم التالي لأرى عددًا من منزلتين في فئة الاتصالات والرسائل في هاتفي النقّال، "أنا بمدينة غريبة، وطبعًا أهلي قلقانين" قلت في نفسي، وبينما لا زلت في السرير طالعت على عجل، كعادتي، قنوات الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، عندها فقط فهمت ما يجري ولمَ كلّ هذه الاتصالات في هاتفي. فتى فلسطيني أختطف وأحرق حيًا، خبر مزلزل ومثير للغثيان وصادم، تنعدم فيه كل صلة بالإنسانية، والجرم المروّع وقع في جهة المدينة التي حللت عليها وفي فجر اليوم التالي لوصولي إليها.

ماذا أفعل الآن؟ هل حافلات المواصلات العامة لا تزال متاحة؟ وهل ما تعلمت بالأمس حول طريقي لا زال قابلاً للتطبيق؟ مرّت بضع دقائق حتى اتصلت صديقتي وقالت بلهجة آمرة: "إياك والخروج من الشقة، سآتي ساعة قبل مقابلتك لأقلك حتى المكان بسيارتي".

أوصلتني صديقتي حتى مدخل المكتب، كلّ ما كان عليّ أن أقطعه سيرًا هي خمسة أمتار، شعرت أنها استغرقت ساعة، التّرقب، القلق واستنفار الحواس الذي انتابني خِلتُه يكفيني سنين قادمة.

دخلت المكان، هو مؤسسة مدنية حقوقيّة يعمل فيها عرب ويهود من أجل هدف واحد، يرعون أجندة واحدة، والأهم يعمّ بينهم انسجام، هكذا بدا لي. كانت مقابلة طويلة وجديّة بشكل استثنائي. في جزئها الأول اسئلة استفسارية وجاهيّة عن دوافع تقدمي للوظيفة، خبرتي العملية، مزاياي الشخصية ذات الصّلة وبرامجي للسنتين القادمتين. وجزئها الثاني تطلّب مني، بوصفي محامية، كتابة خطة عمل لقضية استلمتها. في نهاية المطاف، ينبغي فحص المعرفة والإدراك والتوجّه والمهارات المهنية للمتقدمة للوظيفة.

 بعد انتهاء المقابلة، وللسبب ذاته، أقلتني صديقتي إيابًا، خيّم صمت طول الطريق، أيّ شيء سوى ما يحدث لا يستحق الحديث، وكلتانا لا نتحدث عمّا يحدث، آملات أن يكون كل شيء على ما يرام.

أن أسافر الأربعاء، اليوم التالي للجريمة، للمحطة المركزية في القدس ومن هناك أن أستقل الباص المتّجه إلى شمال البلاد يعتبر عملًا غير حكيم في أدنى تعبير، قررت أن أمكث ليلة أخرى.

واصل الصمت اجتياح الليلة بطولها، باستثناء أصوات طائرات وسيارات الإسعاف والشرطة. لم أسمع صوتًا ذلك المساء، ولم أقوَ حتى على مشاهدة المسلسل الرمضاني الذي أنتظر لأنتقيه بدقّة من بين بازار المسلسلات الكثيرة المعروضة كل سنة.

صباح الخميس استيقظت لأجد صديقتي قد غادرت باكرًا إلى عملها، غسلت الكاسات والصحون مراعاة لصديقةٍ استضافتني يومين استثنائيين ولعودتها متعبة بعد يوم عمل، جمعت حاجاتي الشخصية وسافرت وشريكتها في سيارتها الخاصة  لبلدتي، لبيتنا، للمكان الوحيد الذي أشعر فيه براحة نفسية وشعور داخلي بالأمان.

وبدأت الأخبار بالتواتر، عصابة "دمغة ثمن" الإرهابية وصلت لقريتي، محاولات لحرق مساجد، خطف أولاد وشبيبة، هتافات عدائية، ومواجهات ضد أهالي البلدة الذين أرادوا التعبير عن غضبهم العارم واستنكارهم على مدخل البلدة على الشارع الرئيسي.

وبالتزامن مع هذا، جاءت اللحظة المنشودة، تمّ قبولي للوظيفة، وظيفة تعِد برضا واكتفاءٍ مهنيّ وقيميّ، لكنها تتطلب انتقالًا للقدس. فكّرت كثيرًا، لم يخطر ببالي سوى الرعب والدمع في عينيّ تلك المرأة في القطار، القلق الذي غمرني في الأيام الأخيرة، جعلني برغم مكانة القدس الاعتبارية ورمزيتها وما نشأنا عليه مما غنّت فيروز لها، جعلني أخشى أنني لا أرغب بالإنتقال للعيش فيها. تهادى إلى مسمعي صوت من ناحية المطبخ: "ستتركينا وتنتقلين إلى القدس، إذن؟" وجدتُني أجيب: "لا، تنازلت عن الفكرة، بكل الأحوال مدينة غريبة، لا أعرفها".

التعليقات
• التعليقات غير مفعلة.