فايندر - تحقيقات صوتية محافظات أخبار القدس تحقيقات هنا القدس شؤون الأسرى تقارير خاصة مقالات ومدونات صحافة إسرائيلية تكنولوجيا من هنا وهناك صحافة المواطن رياضة رياضة - عربية رياضة - عالمية جامعة القدس منوعات منوعات - صحة منوعات - ثقافة وفن ناس من القدس القدس تيوب صحافة المواطن - تقارير اذاعية من نحن اتصل بنا
أخر الاخبار
جامعة القدس تعقد سلسلة من الأنشطة والفعاليات التربوية الهادفة حتى الحمام والقطط تجد رزقها في فجر الأقصى ماذا سيحصل للأرض في حال وقوع حرب نووية بين الهند وباكستان؟ هكذا يُعامل حراس الأقصى.. قصص اشتباك "الرجبي" مع الاحتلال منيب رشيد المصري يوقف 25 مليون دولار لصالح العمل التنموي في فلسطين أكاديمية القدس للإبداع الشبابي تتوج الأعمال الابداعية لطلبتها في المرحلة الأولى شاهد- استشهاد فلسطينية على حاجز قلنديا جامعة القدس تفتتح أضخم مشروع ترميم في البلدة القديمة بمدينة القدس العليا الاسرائيلية تعطي صلاحيات باحتجاز جثامين الشهداء فلسطينيون أمام السفارة الكندية.. يطالبون بفتح ابواب الهجرة تحريض إسرائيلي على "مدارس الإيمان" المقدسية الاحتلال يعتقل 7 مواطنين تحذيرات من تفاقم الحالة الصحية للأسرى المضربين غنام وخلوف وقعدان وفاة أصغر أبناء الرئيس المصري الراحل محمد مرسي السلطة تقدم تقريراً عن الانتهاكات الاسرائيلية للامم المتحدة

القدس العثمانية بين حملتين

بتاريخ الاثنين 19/12/2016

أولاً: الزمان

نعمت بلاد الشام عامة والقدس ونواحيها خاصة بفترة طويلة من الازدهار والاستقرار بعد أن صارت جزءاً من الإمبراطورية العثمانية وكان عهد السلطان العثماني سليمان القانوني (1520-1566) بمثابة العصر الذهبي لتلك الإمبراطورية فانعكس ذلك على شرق أوربا مروراً بالمشرق العربي وعلى الرغم من التحولات الكثيرة التي طرأت على أوضاع الدولة العثمانية منذ أواخر القرن السادس عشر وخلال القرن الذي يليه فإن سكان المنطقة العربية ظلوا ينعمون بنوع من الاستقرار و بعيداً عن أوربا التي أدت إلى بداية تراجع حدود الدولة بدلاً من استمرار توسعها مع نهاية القرن السابع عشر (معاهدة كارلوفيتز مثلاً سنة 1699م) فإن في منطقة بلاد الشام نخب محلية صارت تؤدي دوراً مهماً في إدارة الولايات حتى أصبحت تتحدى أحياناً السلطة (نشوء حكم الزيادنة  في الجليل)

 حيث تحدى ظاهر العمر الزيداني في الربع الثالث من القرن الثامن عشر أوامر الدولة وحكامها المجاورين لمعقله وعاصمة حكمه في عكا وعلى جبهات القتال واجهت الإمبراطورية العثمانية تحديات أوسع خلال القرن الثامن عشر نقلتها من موقع الهجوم إلى خندق الدفاع غير الناجح في مواجهة أعدائها فقد تقدمت جيوش روسيا القيصرية من جهة وجيوش الإمبراطورية النمساوية الهنغارية الهابسبورغية من جهة أخرى ودحرت الجيوش العثمانية واحتلت مناطق جديدة  كانت تابعة للعثمانيين وعلى الرغم من أهمية الأحداث وانعكاساتها على أحوال الإمبراطورية عامة بما فيها البلاد العربية فإن تلك الأخطار ظلت بعيدة عنها جغرافياً حتى أواخر القرن الثامن عشر، وما شغل السلطات العثمانية في المنطقة العربية كان ازدياد نفوذ النخب المحلية وتحديها الإدارة العثمانية سياسياً وعسكرياً إلى درجة الاضطرار إلى إرسال جيوش الدولة لمحاربتها من حين إلى آخر أما أبرز مثال في بلاد الشام عامة وفلسطين خاصة فكان ائتلاف ظاهر العمر حاكم الجليل مع علي بك حاكم مصر وخروجهما معاً لاحتلال المنطقة من أيدي العثمانيين  كان لتحالف علي بك الكبير مع ظاهر عمر الزيداني وخروج جيوشهما معاً لاحتلال دمشق وبقية نواحي الشام أثر كبير في زعزعة كيان الإدارة العثمانية في هذه المناطق ففي تلك الأيام كانت الدولة العثمانية تواجه تحديات خارجية صعبة للغاية حين قرر هذان الحاكمان عصيان السلطان وأوامره ففي تموز /يوليو1770 هزم الأسطول العثماني أمام الروسي في البحر الأبيض المتوسط وحصلا على تعهد منه بأن يقوم بمساعدتهما إذا اقتضت الضرورة لكن حلم علي بك الكبير كان أن يعيد حكم المماليك في مصر وبلاد الشام فاستعان بظاهر العمر على تحقيق هذا الحلم وكان على استعداد لقبول مساعدة روسيا القيصرية وأسطولها في سبيل ذلك وقد خرجت جيوش علي بك يقوداها محمد بك أبو الذهب في اتجاه بلاد الشام أواخر سنة 1770/ فلم تلق مقاومة تذكر في فلسطين والتقت جيوش حاكم عكا وحلفائه ثم زحفت إلى دمشق واحتلتها في حزيران/يونيو1771. وتفصيلات هذه الحملة ثم خروج أبو الذهب من دمشق وعودته إلى مصر ومحاربته لسيده على بك الكبير وتغلبه عليه الأمر الذي أحرج موقف ظاهر العمر وحلفائه معروفة لا يتسع المجال هنا للخوض فيها وأهمية ذكر هذه الحملة هي للتدليل على ازدياد المخاطر الداخلية على استمرار الحكم العثماني في المنطقة واستقراره.

 وبعد مدة طلبت الدولة العثمانية من محمد بك أبو الذهب أن يخرج بجيشه مرة أخرى إلى المنطقة من أجل القضاء على حكم  ظاهر العمر هذه المرة فوافق أبو الذهب على طلب السلطان وخرج على رأس جيش كبير في نيسان1775، لتنفيذ المهمة التي ألقيت على عاتقه هكذا تحولت مناطق الساحل الفلسطيني مرة أخرى خلال أقل من خمسة أعوام إلى ساحة معارك وعبور قوات عسكرية كبيرة لم تشهد البلاد مثلها منذ مدة طويلة مرض أبو الذهب فجأة قبل وصوله إلى عكا وتوفي في حزيران1775، فنجا ظاهر العمر وحكمه إلى حين  وعادت الجيوش المصرية إلى بلادها لكن الدولة العثمانية كانت مصممة على التخلص من ظاهر العمر فاستمرت قواتها البرية بالتعاون مع الأسطول العثماني في محاصرة عكا حتى سقوطها بعد مقتل حاكمها ظاهر العمر بعد شهرين من موت أبو الذهب وبعد ذلك بمدة وجيزة عينت الدولة أحمد باشا الجزار على ولاية صيدا كلها.

 كان القضاء على ظاهر العمر في عكا بداية النهاية السريعة لحكم الزيادنة في الجليل وبداية حكم الجزار الذي  استمر نحو ثلاثة عقود (1775-1804) وعلى الرغم من أن الجزار عين حاكماً على ولاية صيدا رسمياً فإنه حكم حكماًَ شديد المركزية أعاد الاستقرار إلى المنطقة بنسبة كبيرة لكن بثمن باهظ من البطش والظلم دفع ثمنه الأهالي الذين اعتادوا المشاركة والتعاون مع الزيادنة وخصوصاً في منطقة الجليل أما من وجهة نظر الدولة العثمانية فما قام به الجزار من قضاء على الزيادنة وإعادة قبضة الحكم على المنطقة كان دليلاً على أن تحديات النخب المحلية المشاركة في إدارة الولايات لا تهدد مهما عظمت استمرار حكم السلطان أو شرعيته.

 

كان في إمكان العثمانيين إذا أن يتجاوزوا بارتياح مرحلة انتهاء القرن الثاني عشر الهجري وقرب انتهاء القرن الثامن عشر الميلادي لولا خروج نابليون بحملته على مصر سنة 1789، وقد كانت هذه الحملة الأوربية بعكس مثيلاتها في البلقان وعلى الحدود الروسية موجهة إلى قلب العالم العربي الإسلامي لا إلى أطرف الإمبراطورية فمصر وبلاد الشام لم تشهدا غزواً أوربياً منذ أن استولى المماليك على آخر المعاقل الصليبية في القرن الثالث عشر الهجري لذا لم يكن غريباً أن تعيد الحملة الفرنسية إلى أذهان العثمانيين والسكان المحليين ذكرى غزوات الفرنجة وتجدد الصراع معهم بشأن حكم البلاد المقدسة وما حولها فعدا أهمية الحدث نفسه عكست ردات الفعل الأولية على حملة نابليون مدى المفاجأة وعدم توقع مثل هذه الحملة بعد استتباب الحكم الإسلامي في هذه المنطقة أكثر  من خمسة قرون، عبر المؤرخ المصري المعاصر عبد الرحمن الجبرتي عن الهزة العميقة التي أحدثتها هذه الحملة وتداعياتها أصدق تعبير استهل تأريخه لسنة 1213هـ/1798-1799م، بقوله "وهي أولى سني الملاحم العظمية والحوادث الجسمية والوقائع النازلة والنوازل الهائلة وتضاعف الشرور وتراشق الأمور وتوالي المحن واختلال الزمن وانعكاس المطبوع وانقلاب الموضوع وتتابع الأهوال واختلاف الأحوال وفساد التدبير وحصول التدمير وعموم الخراب وتواتر الأسباب وما كان ربك مهلك القرى بظلم وأهلها صالحون هذه أوصاف ومصطلحات تليق بطوفان أو ببركان لا بغزو عسكري واحتلال أجنبي للبلاد المصرية استمر ثلاثة أعوام".

 لقد حركت الحملة الفرنسية مشاعر هذا المؤرخ العالم وهزت أركان إيمانه بشكل جعله يعبر عن عمق الصدمة التي تركتها تلك الحملة ولا سيما في أوساط النخب السياسية والدينية والثقافية وإذا كان الجبرتي عبر عن صدمة النخب المصرية جراء هذا الحدث فإن سجلات المحكمة الشرعية في القدس حفظت عشرات الوثائق التي عبرت عن مشاعر العثمانيين ومواقفهم من الحملة الفرنسية عند وصولها إلى الأراضي المصرية وبعد خروجها من هناك لغزو فلسطين سنة 1799 وإحدى تلك الوثائق رسالة محضر من أهالي مصر إلى أهالي القدس بشأن الحملة الفرنسية يشير فيها علماء القاهرة إلى الأخبار التي وصلتهم من طرف أهالي ثغر الإسكندرية بأن مراكب الفرنسيين وعددها 300 مركب تقريباً أحاطت بتلك المدينة ثم هاجمها الجنود الفرنسيون واحتلوها هذه الأخبار نشرت الرعب والارتجاف بين سكان القاهرة ثم يضيف علماء مصر في محضرهم لأهالي القدس أن عليهم أخذ الحذر والحيطة وخصوصاًُ من الكفرة المقيمين بين أظهركم لأن ضرر الإسكندرية غالبةً كان من المقيمين معهم كما وردت الأخبار بذلك هذه الشائعة عن تعاون غير المسلمين من سكان الإسكندرية مع الغزاة الفرنسيين هي فاتحة فصل جديد من الاتهامات الموجهة إلى أهل الذمة وخصوصاً المسيحين منهم بدعوى تعاونهم مع الغزاة الأوروبيين لبلاد المسلمين على الرغم من عدم خروج الفرنسيين من مصر مباشرة لاحتلال بلاد الشام عامة والأراضي المقدسة خاصة فإن  مشاعر حكام البلاد وأهلها ومخاوفهم أيضاًَ لم تهدأ لعدة أشهر إذ أصبحت ألوية فلسطين الجنوبية القدس ويافا وغزة مناطق حدود مع العدو الفرنسي وأصبحت مدنها ثغوراً يجب تحصينها لمواجهة غزو فرنسي مرتقب وكما اضطربت الأمور في القدس وغيرها من مدن فلسطين عاشت دمشق أيضاً فترة من الكرب واختلال الأحوال منذ صيف سنة 1789، ولمواجهة هذا الخطر الداهم عينت السلطات العثمانية أحمد باشا الجزار في نهاية تلك السنة واليا على الشام إضافة إلى حكمه في عكا وكذلك منح حكم ولاية طرابلس وقيادة الجيوش التي تحارب الفرنسيين هكذا تم توحيد معظم بلاد الشام وألوية فلسطين كلها تحت سلطة أقوى حكام هذه المنطقة وهي مؤشرات قوية إلى اعتقاد العثمانيين أن الحملة الفرنسية قادمة فكلمات الجبرتي التي اقتبسناها سابقاً وخصوصاً توالي المحن واحتلال الزمن تنطبق على أحوال القدس أيضاَ سنة 1213هـ ،1789-1799م. كانت الحملة الفرنسية إذا بأعين معاصرين ذلك الحدث منعطفاً تاريخياً مهما حرك المشاعر والمخاوف أشهراً وأعواماً وترك آثار بعيدة المدى في مصر والمشرق العربي صحيح أن المؤرخين يختلفون في شأن تقويم الآثار بعيدة المدى لهذه الحملة على بلاد الشام بعكس مصر لكن لا خلاف أن حملة نابليون تشكل مفصلاً تاريخياً مهماً بين أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر وكان من أبرز سمات الفترة الجديدة التي بدأت الحملة الفرنسية توسع النفوذ الأوربي في الدولة العثمانية وزيادة التنافس بين تلك الدول الأوربية لتزيد نفوذها في الأراضي المقدسة وللخلاصة فمما لاشك فيه إذاً أن الحملة الفرنسية التي هي بداية لزمان هذا البحث في تاريخ القدس تشكل حداً زمنياً واضحا لمرحلة تاريخية يمكن تميزها بسهولة مما قبلها ومدخلاً حقيقياَ لعهد جديد وخصوصاً فيما يتعلق بدور ونفوذ أوربا في هذه المنطقة العربية أما نهاية زمان هذه الدراسة حملة جيوش محمد علي باشا حاكم مصر على بلاد الشام واحتلالها وحكمها عقداً كاملاً (1831-1840) فإنها تشكل أيضاً مفصلاً تاريخياً لا يقل أهمية في آثاره (المباشر وبعيدة المدى) عن الحملة الفرنسية ومحمد علي باشا هذا كان وصل إلى مصر مع الفرقة الألبانية التي خدم فيها في أعقاب الحملة الفرنسية ثم عين  سنة 1805، حاكماً على مصر ونجح في نقل بلاد النيل من ولاية عادية تدور في فلك الإمبراطورية العثمانية إلى دولة شبه مستقلة مركزية الحكم قطعت شوطاً كبيراًَ في عملية الإصلاح والتحديث خلال القرن التاسع عشر وكان من مظاهر التحديث بناء جيش قوي و معاصر شكل سنداً للسلطان في البداية لكنه وجه ضده فهزم العساكر العثمانية في أكثر من معركة وسيطر على بلاد الشام عشرة أعوام ولم يكن عبد الرحمن الجبرتي معاصراً لهذا الحدث كي يصفه لنا لكن المؤرخين يجمعون على أن حملة محمد علي وحكمه للمنطقة يشكلان كما ذكرنا أعلاه مفصلاً تاريخياً لا يقل أهمية عن الحملة الفرنسية.  شكلت الفرنسية على المنطقة مؤشراً واضحاَ إلى بداية مرحلة جديدة أدت خلال القرن التاسع عشر إلى تقلص حدود الدولة  العثمانية في الدولة العربية نتيجة التفوق الأوربي العسكري والاقتصادي أما احتلال جيوش  محمد علي لبلاد الشام وحكمها عشرة أعوام كاملة فكانا وقد تمثل هذا الخطر في نشوء تحديات داخلية جدية لشرعية حكم السلطان ومحاولات الانسلاخ عن دولته

 

صحيح أن الحكم العثماني عاد إلى بلاد الشام بعد عشرة أعوام لكن هذه السابقة ونشوء حكم محمد علي باشا شبه المستقل كانا دليلاً واضحاً على تدهور أوضاع الدولة العثمانية نتيجة التحديات الداخلية أيضاً إذا في سنة 1831، التي تضع حدود نهاية زمان هذه الدراسة ترسم حداً طبيعياً أيضاً لمرحلة سيحاول هذا البحث الكشف عن معالمها وخصوصاً فيما يتعلق بجمع مدينة القدس وجهاز الإدارة فيها فالزمان الذي نحن بصدده إذا هو فصل من عمر الدولة العثمانية في المنطقة العربية يقارب ثلث قرن يقع في وسط العهد العثماني الطويل الذي امتد أربعة قرون وأكثر (1516-1918)

ثانياً: المكان

 قد يبدو أولاً لبعض القراء على الأقل أن مكان القدس معروف لا يحتاج إلى وصف أو توضيح صحيح أن موقع القدس الجغرافي وخصوصاً البلدة القديمة ثابت لم يتغير جغرافيا منذ أوائل القرن التاسع عشر حتى الآن لكن تحديد مكان الدراسة ليس مجرد وصف جغرافي وذكر لمعالم المدينة وما حولها فالمقصود هنا هو وضع القدس في سياق مكان ذلك الزمان وتحديد علاقات هذه المدينة وما حولها ورسم معالمها في الإطار العام للدولة العثمانية والإطار المحلي لألوية فلسطين في ذلك العهد فالمكان وإن كان ثابتاً جغرافياً فهو متحول من ناحية شبكة العلاقات التي تربطه بالأمكنة القريبة منه والبعيدة عنه "فزمكانية" القدس إذا هي مفهوم يقصد به تحديد معالم زمان الدراسة ومكانها قبل الخوض في موضوع البحث الذي سيعالج علاقات الجهاز الإداري العثماني بالمجتمع ودور أبناء النخبة المقدسة في هذا الجهاز احتفظت البلدة القديمة للقدس بمعالم المدينة محور هذه الدراسة كما كانت عليها  في أوائل القرن التاسع عشر فأسوار القدس القائمة حتى الآن تم إعادة بنائها أيام السلطان سليمان القانوني ووضعت بمحيطها وأوبوابها الحدود الرئيسية لهذه المدينة ومعالمها المهمة  ومنذ أواسط القرن السادس عشر حتى أواسط القرن التاسع عشر سكن معظم المقدسين لثلاثة قرون متتالية في حارات المدينة وبيوتها القائمة داخل هذه الأسوار أغلبية أيام السنة وقد شذ عن هذه القاعدة بعض العائلات التي شيدت خارج الأسوار بيوتاً صيفية حصينة قصوراً سكنتها على الأقل خلال أشهر الصيف الحارة كما أن عائلات أخرى عملت في الزراعة وفي تربية المواشي عاشوا خارج الأسوار في منطقة البقعة ووادي الجوز والشيخ جراح وغيرها فبنت العرائش والبيوت الزراعية في كرومها وقد اشتهرت عائلة الوعري بأن أبناءها الذين اشتغلوا في معظمهم بتربية المواشي عاشوا خارج الأسوار في منطقة البقعة ووادي الجوز والشيخ جراح وغيرها معظم أيام السنة عدا ذلك فإن الأغلبية العظمى من سكان القدس الذين تقدر أعدادهم بأكثر من 10ألف نسمة عاشت داخل الأسوار أي ما يعرف بالبلدة القديمة ازدادت كثافة السكان والبيوت خلال القرنيين الماضيين كما أقيمت مبان جديدة كثيرة وهدمت مبان أخرى ومع ذلك لا يصعب حتى اليوم رسم معالم المدينة الرئيسية كما كانت عليه في أوائل القرن التاسع عشر فالداخل إلى البلدة من بوابتها الرئيسية من الجهة الشمالية باب العمود  ينزل في اتجاه وادي الطواحين أو طريق الوادي الذي يقود إلى منطقة الحرم لكنه يصل أيضاً إلى حارة المغاربة في الجهة الجنوبية يقسم طريق الواد المدينة قسمين شرقي يضم منطقة الحرم كلها والحارات الآهلة بأغلبية مسلمة وغربي يضم حارات النصارى والأرمن واليهود أما طريق خان الزيت الذي يتفرع أيضاًَ من حارة باب العمود ومدخلها فإنه يشق المدينة من الشمال إلى الجنوب ليصل إلى أسواق المدينة الرئيسية مثل اللحامين والعطارين والخضار ثم يمتد هذا الطريق إلى باب النبي داود وأما باب الخليل في الجهة الجنوبية الغربية فالداخل منه إلى جوار القلعة يستطيع أن يسير شرقاً كي يصل إلى باب السلسلة المؤدي إلى ساحات الحرم وبالإضافة إلى الأبواب المذكورة تجدر الإشارة إلى باب الأسباط القريب من  منطقة الحرم الشمالية والمؤدي إلى الجهة الشرقية القريبة من المدينة  وما حولها وكذلك إلى باب النبي داود المؤدي إلى منطقة جبل صهيون سكن معظم أهالي القدس من المسلمين الذين شكلوا أكثر قليلاً من  نصف سكان المدينة  في الحارات الشمالية والشرقية القريبة من منطقة الحرم القدسي مثل باب العمود وباب حطة وحارة السعدية وحارة المغاربة أما أغلبية المسيحين فسكنت في حارتي النصارى والأرمن بينما سكن اليهود في المنطقة التي سيمت لاحقاً باسمهم حارة اليهود وعلى الرغم من هذا التقسيم القائم على أساس التجمع حول المباني والمؤسسات الدينية المعروفة والمشهورة لأبناء الديانات الثلاث فإن الفصل السكاني لم يكن قائماً بشكل قاطع بين الأهالي على أساس ديني فقد كان هناك مناطق سكنية مختلطة كما أن المسلمين سكنوا في شتى أنحاء المدينة مع أن أغلبيتهم الساحقة تجمعت في الحارات القريبة من منطقة الحرم أما أبرز المباني والأماكن المقدسة فكانت ومازالت منطقة الحرم القدسي التي تحتوي على قبة الصخرة والمسجد الأقصى وبقية المدارس والأبنية المحيطة بمنطقة الحرم وخصوصاً من الجهتين الشمالية والغربية كما كانت كنيسة القيامة بموقعها القريب من البيمارستان الصلاحي أهم الأماكن المسيحية المقدسة فكان لها دور مهم جداً كما سنرى في حياة المقدسين اليومية وفي سياحة الحجاج والزوار الذين أتوا لزيارتها ولا يتسع المجال هنا لذكر الأماكن المقدسة جميعها لأبناء الديانات الثلاث والموجودة داخل أسوار البلدة القديمة وخارجها فهي معروفة ومذكورة في مراجع ومصادر كثيرة غنية عن التعريف هذا الكم الهائل من الأماكن المقدسة للمسلمين والمسيحيين واليهود هو سر أهمية هذه المدينة على مر العصور بما في ذلك خلال فترة هذه الدراسة فالقدس  للمسلمين هي أولى القبلتين وثالث الحرمين ومن هنا الاهتمام بإعمارها وحمايتها وهي للمسيحيين واليهود مدينة الأنبياء والأولياء الصالحين الأمر الذي جعلها تشمل أهم المواقع والأماكن المقدسة بالنسبة إليهم وبسبب أهميتها الدينية الفائقة للديانات السماوية الثلاث فقد ارتبطت معيشة وكسب رزق معظم سكانها بالأماكن المقدسة بشكل أو بآخر في أوائل القرن التاسع عشر فعدا دور العبادة احتوت البلدة القديمة عدداً كبيراًً من المدارس الدينية والأديرة والزوايا الصوفية ودور إطعام الفقراء وعلى رأسها مؤسسة التكية العامرة أو خاصكي سلطان أما المباني الأساسية لشؤون الإدارة والحكم فكانت بناية القلعة المجاورة لباب الخليل أهمها على الإطلاق بالإضافة إلى أسوار المدينة وأبوابها ومن المباني الأخرى التي تجدر الإشارة إليها منزل حاكم المدينة أو السرايا المدرسة العمرية فيما بعد القريبة من عمارة خاصكي سلطان وأما بناية المدرسة التنكزية في باب السلسلة فكانت في فترة هذه الدراسة ديواناً ومكاتب للمحكمة الشرعية أهم مؤسسة إدارية في المدينة هذه المباني الثلاثة القلعة والسرايا والمحكمة الشرعية كانت مسكن رموز السلطة العثمانية وممثلتها أمام السكان وكانت البيوت المطلة على مداخل الحرم وساحاته هي المنازل المفضلة لدى أبناء عائلات الأعيان والعلماء فسكن العديد منهم في هذه المناطق.

 

 في أوائل القرن التاسع عشر كانت القدس مدينة حصينة تحميها أسوار منيعة  وأبراج وقلاع ويهتم السلاطين والحكام بها لأهميتها الدينية المتوارثة لكنها كانت في الوقت نفسه مدينة متواضعة من ناحية عدد سكانها نحو 10ألاف قياساً بعواصم كبيرة كحلب 15ألف نسمة ودمشق 100ألف نسمة والقاهرة أكثر من 200ألف نسمة أما بالمقاربة بمدن فلسطين وعواصم ولايات أخرى في  المنطقة وخارجها فكانت القدس مدينة متوسطة مثل طرابلس وعكا وهي كلها عواصم ولايات وعلى غرار القدس هناك مدن تاريخية مهمة داخل حدود الإمبراطورية العثمانية كأثينا لم يسكنها أكثر من 10آلاف نسمة وأما مدن فلسطين الكبرى الأخرى فكانت بالحجم نفسه تقريباً مثل نابلس وغزة وإن كانت عكا تفوقت على القدس سياسياً منذ أواخر القرن الثامن عشر حتى حملة محمد علي فإن القدس ظلت متفوقة عليها طوال العهد العثماني بأهميتها الروحية الدينية التي ترجمت أيضاً إلى أهمية إدارية من خلال مكانة قاضي المحكمة الشرعية ومكانه نقيب الأشراف

 

ظلت القدس إذاً في أوائل القرن التاسع عشر على مكانتها الدينية المهمة بالنسبة إلى بناء الديانات السماوية الثلاث بينما كانت عاصمة لواء أو سنجق تابع لولاية الشام وعاصمتها دمشق سياسياً وإدارياً أما حدود اللواء الذي كانت القدس عاصمته فامتدت من قرية سنجل على الطريق بين رام الله ونابلس شمالاً حتى بداية صحراء النقب  ومنحدرات جبال الخليل جنوباً وأما من الشرق فكان نهر الأردن الشريعة حداً طبيعياً واضحاً لهذا اللواء ومن الغرب كانت منحدرات جبال القدس وبداية السهل الساحلي هي الحدود بين لواء القدس وناحيتي اللد والرملة التابعيين لسنجق غزة ويافا وبالإجمال فإن أراضي لواء القدس الآهلة كانت جبلية في معظمها ما عدا المنطقة الصحراوية المحاذية لغور الأردن التي كانت أريحا القرية الوحيدة فيها حينذاك خرجت من القدس أربعة طرق رئيسية ربطت المدينة بأكنافها القريبة وبعواصم وبلدان لها أهمية كبيرة في حياة السكان ومعيشتهم فمن باب العمود خرج الطريق الرئيسي شمالاً إلى نابلس و جنيين ومنها إلى الناصرة وطبرية وإلى دمشق الشام  ومن باب الخليل خرج جنوباً طريق بيت لحم ومنها إلى برك سليمان التي زودت المدينة بمياه الشرب ومنها إلى مدينة الخليل ومن باب الخليل نفسه الذي يسميه  الأجانب باب يافا خرج الطريق الذي يقود إلى الساحل الفلسطيني وميناء يافا بوابة الأراضي المقدسة إلى  العالم الخارجي  وإلى الشرق خرج الطريق من باب الأسباط عن طريق أبو ديس والعيزرية إلى مقام النبي موسى وإلى نهر الأردن أو الشريعة أحد الأماكن المقدسة التي زارها الحجاج والزاور من المسيحيين وكانت هذه الطرق  جميعاً حتى أوائل القرن التاسع عشر ممرات ضيقة للمشاة والفرسان إذ لم تستعمل العربات ووسائل المواصلات الحديثة الأخرى في المنطقة قبل النصف الثاني من ذلك القرن تحصنت القدس بأسوارها وقلعتها وأبراجها وبواباتها التي أغلقت ليلاً فحمتها من الأخطار الخارجية لكن لم تكن المدينة وسكانها في عزلة عن إنتاجهم من المحاصيل الزراعية في أسواقها كما أن الأماكن المقدسة لأبناء الديانات السماوية الثلاث داخل أسوار المدينة وخارجها كانت أساساً متيناً لعلاقات التعاون والمصالح  المشتركة المتعلقة بتقديم الخدمات للحجاج وزوار تلك الأماكن أيام الأعياد والمواسم المتنوعة لذا وعلى الرغم من أن محور مكان هذه الراسة  سيكون مدينة القدس فإن الحديث عن مجتمعها وكذلك عن مؤسسات الإدارة العثمانية  فيها لن يكون منقطعا عن القرى و النواحي  الريفية التي تحيط  بها من الجهات الأربع.

المصدر: مدينة القدس

 

التعليقات