فايندر - تحقيقات صوتية محافظات أخبار القدس تحقيقات هنا القدس شؤون الأسرى تقارير خاصة مقالات ومدونات صحافة إسرائيلية تكنولوجيا من هنا وهناك صحافة المواطن رياضة رياضة - عربية رياضة - عالمية جامعة القدس منوعات منوعات - صحة منوعات - ثقافة وفن ناس من القدس القدس تيوب صحافة المواطن - تقارير اذاعية من نحن اتصل بنا
أخر الاخبار
جامعة القدس تعقد سلسلة من الأنشطة والفعاليات التربوية الهادفة حتى الحمام والقطط تجد رزقها في فجر الأقصى ماذا سيحصل للأرض في حال وقوع حرب نووية بين الهند وباكستان؟ هكذا يُعامل حراس الأقصى.. قصص اشتباك "الرجبي" مع الاحتلال منيب رشيد المصري يوقف 25 مليون دولار لصالح العمل التنموي في فلسطين أكاديمية القدس للإبداع الشبابي تتوج الأعمال الابداعية لطلبتها في المرحلة الأولى شاهد- استشهاد فلسطينية على حاجز قلنديا جامعة القدس تفتتح أضخم مشروع ترميم في البلدة القديمة بمدينة القدس العليا الاسرائيلية تعطي صلاحيات باحتجاز جثامين الشهداء فلسطينيون أمام السفارة الكندية.. يطالبون بفتح ابواب الهجرة تحريض إسرائيلي على "مدارس الإيمان" المقدسية الاحتلال يعتقل 7 مواطنين تحذيرات من تفاقم الحالة الصحية للأسرى المضربين غنام وخلوف وقعدان وفاة أصغر أبناء الرئيس المصري الراحل محمد مرسي السلطة تقدم تقريراً عن الانتهاكات الاسرائيلية للامم المتحدة

اللّمسة الروائية في أفلام الطبيعة

بتاريخ الثلاثاء 20/1/2015
هُنا القدس| ينتمي فيلم "دَببة" للمُخرِجَين البريطانيَين ألاستير فوذَرغِل وكيث سكولي إلى أفلام الطبيعة، أو أفلام الحياة البرّيّة التي تدور حول الحيوانات والنباتات والكائنات الحيّة الأخرى غير البشرية التي تعيش في مواطن وبيئات نائية ومعزولة إلى حدٍ كبير. 
تدور أحداث ووقائع فيلم "دَببة" على مدى 77 دقيقة في شبه جزيرة ألاسكا التي تقع على النتوء الشمالي الغربي لقارة أميركا الشمالية، وهي برّيّة مترامية الأطراف تُقدّر مساحتها بنحو 800 كم2 وتُعتبر محْمية بيئية تعيش فيها أنواع مختلفة من الدببة البُنّية والذئاب السمراء وغزلان الرنّة وأعداد كبيرة من الطيور اللافتة للانتباه.

 

لمسة روائية
على الرغم من أنّ هذا الفيلم وثائقي بامتياز إلاّ أنه لا يخلو من لمساتٍ روائيةٍ هنا وهناك. فلقد ارتأى كاتبا النص ألاستير فوذَرغِل وآدم تشابمن ومخرجاه فوذَرغِل وسكولي أن يمنحا بعض الدببة البنية والذئاب السمراء أسماء حقيقية حيث سُمّيت الدُبّة الأم بـ "سكاي" بينما أخذ "الديْسَمان" وهما صغار الدُبّة اسمي "سكوت" و "أمبَر". كما أَطلقا على دُب آخر اسم "ماغنوس"، وهو ذكرٌ كبيرٌ مُعافى، فيما سُمي الدُب الثالث بـ "تشينوك" وهو ذكر قوي وكبير السن في آنٍ معا. أما الحيوان الأخير الذي حظيَ بالتسمية فهو الذئب الرمادي "تيكاني". لقد مَنحت هذه التسميات الفيلمَ الوثائقي بُعداً روائياً جعلنا نتابع شخصيات معروفة بأسمائها وأدوارها وطريقتها في الحياة. كما لَعِب السرد الشيّق للممثل والمغني الأميركي جون كريستوفر ريلي دوراً كبيراً في تعزيز القصص التي تمحورت حول الأم "سكاي" وديسَميها الصغيرين "سكوت" و "أمبر" اللذين سيتعلمان الكثير خلال الأشهر الستة التي تبدأ من أوائل شهر أبريل / نيسان وحتى موسم سقوط الثلج الذي يضطرهم للعودة إلى ذات "الوجر" أو المخبأ الذي كان يحميهم من برد الشتاء القارس وثلوجه المتراكمة، كما يدرأ عنهم أخطار الذئاب المتوحدة الجائعة التي تبحث دائماً عمّا يسدّ رمقها خلال هذه الأشهر العصيبة.
تحتاج أفلام الطبيعة إلى مراقبة ورصد طويلين وربما يضطر المصورون إلى زرع كاميرات المراقبة في أوجار الدببة والذئاب، وعرائن الأسود، وجحور الأفاعي، وأعشاش الطيور تماماً كما حصل في العديد من الأفلام الوثائقية عن الحياة البرّيّة وربما تكون هذه الكاميرا السرّية قد امتدت إلى وجر سكاي وديسميها الصغيرين اللذين سمعنا صوتيهما في مطلع الفيلم وهما يرضعان الحليب من ثديي أمهما وينعمان بالدفء الذي توفره لهما في أشهر السبات الشتوي الستة.
الرحلة الشاقة
يتابع طاقم التصوير سكاي وصغيريها من لحظة خروجهم من المخبأ العميق الواقع في قلب الجبال النائية المُثلجة بُغية الوصول إلى السواحل التي ينحسر فيها المدّ في أشهر الصيف وإلى الأنهر والشلالات الكثيرة التي تزدحم فيها هذه المحمية الطبيعية بحثاً عن الغذاء الذي يتكوّن جُلّة من الأسماك الصدفية، وأسماك السلمون، والحشرات، والثمار، والحبوب، والأعشاب وما إلى ذلك.
ما أن تبدأ الأم سكاي مع صغيريها رحلتهم الشاقة التي قد تزيد على أسبوع أو عشرة أيام أو أكثر ربما بحسب بُعد الملاذ الآمن الذي اختارته حتى نكتشف جمالية هذا المشهد الأمومي الحميم حيث نرى الصغيرين يعدوان خلف أمهما التي تغذّ السير بسبب الجوع الشديد الذي سبّبه السبات الشتوي وحاجتها الماسة لتأمين الطعام. كما سنعرف منذ بداية الفيلم أن الديسم الصغير أمبَر متعلّق بأمه ولا يكاد يفارقها إلاّ لماما، بل أنه غالباً ما يتشبث بها أو يرتقي ظهرها في المسير العادي أو في عبور الأنهر وبعض المسطحات المائية. أما سكوت فهو بعيد عن الأم بعض الشيء وقد ضاع غير مرة أو بقيَ عالقاً بعض الوقت لكن دأبْ الأم وحرصها على حمايته من خطر الحيوانات المفترسة الأخرى هو الذي يساعد في كل مرة على العثور عليه وإنقاذه من الورطة التي يقع فيها آخذين بنظر الاعتبار أن الدَببة تمتلك حاسة سمع وشمّ قويتين كما أنهم يتخاطبون عبر "القهقعة" وهي الأصوات التي تطلقها الدَببة صغارها وكبارها على حدٍ سواء.
استشعار المخاطر
ولابد من الإشارة إلى أن الدَببة لها قدرة كبيرة على استشعار المخاطر الأمر الذي يجنّبها من خطر الانهيارات الثلجية التي تُسمى بـ "التيْهورات" والتي تصل سرعتها إلى 80 ميلا بالساعة. وقد كان مشهد التيْهور الذي شاهدناه في الفيلم جميلاً وآسراً وهو يندفع من القمم الثلجية الشاهقة ليغطي مساحات شاسعة من الوديان، والأشجار الباسقة، والأراضي المنبسطة.
وبعد هذه الرحلة الشاقة تلوح في الأفق الجبال التي ذابت عن قممها الثلوج وتكشفت الأرض المعشوشبة الخضراء، وبدأت الحياة البرية تلتقط أنفاسها من جديد. فلأول مرة يرى الديسمان الصغيران دببة وحيوانات أخرى مختلفة تُشكّل خطراً حقيقياً عليهما ولابد أن يُتقِنا فن الدفاع عن نفسيهما لكي يواصلا رحلة الحياة التي لا تخلو من مصاعب جمّة في كثير من الأحيان. وها هما يشاهدان أول مرة الدُب الضخم ماغنوس، والدُب الآخر الأكبر سناً تشينوك، ثم بدآ يستشعران الخطر الذي يشكّله الذئب الرمادي تيكاني. كما أخذا يتعرفان على الحيوانات الأخرى والطيور المتنوعة كالغربان والنوارس شيئاً فشيئاً.
الشيء اللافت للنظر أن الدَيْسمين الصغيرين يتعلمان الدفاع عن نفسيهما بواسطة الهجوم على تيكاني وكأنهما يعرفان بأن الهجوم هو خير وسيلة للدفاع وبالفعل تنجح هذه الطريقة التي سيطورانها يوماً بعد يوم خصوصاً وأنّ الأخطار المُحدقة بهما كثيرة وأن الأم هي التي تتحمل القسط الأكبر من عملية الدفاع وتوفير الحماية الدائمة لهما، مع الأخذ بنظر الاعتبار أن الذئاب الرمادية مفترسة، خبيثة، وواسعة الحيلة والدهاء. وعلى الرغم من أن الأم سكاي لا تدخِّر وسعاً في الدفاع عن صغيريها إلا أنها تنسحب من منطقة النفوذ التي يتصارع عليهما الدُبّان الآخران ماغنوس وتشينوك، بينما تنقطع هي للبحث عن الأسماك الصدفية المدفونة في رمال الشاطئ الذي انحسرت عنه المياه. وفي الوقت الذي يدرب فيه "أنبر" نفسه على البحث عن الغذاء يسقط شقيقه سكوت في قيلولة صغيرة وحينما يصحو من غفوته يجد نفسه ضائعاً لكنه ينجح في خاتمة المطاف في الوصول إلى أمه. وربما يكون اللقاء مع أنبر هو الأكثر إثارة لأنهما يُعبِّران بصدقٍ لا مثيل له عن سعادتهما بعد هذا الفراق القصير. ثم تتكرر الحالة فيفترقان لبعض الوقت لكنهما سرعان ما يلتقيان ويجتمع شملها من جديد، ويقبّلان بعضهما بعضاً بطريقة حميمة لا تُخطئها عين الناظر أبدا.
إذا كان الديْسمان الصغيران قد رأيا بضعة دببة وحيوانات أخرى متفرقة في موسم الربيع فإن قدوم الصيف يحمل بين طياته عشرات وربما المئات من الدببة والذئاب الرمادية إلى الأنهار الضحلة والشلالات المائية حيث تتدفق أسراب السلمون بالآلاف صاعدة إلى أعالي الأنهار والينابيع باحثة عن الأماكن الضحلة كي تضع بيوضها هناك قبل أن تشرع في العودة مُجدداً إلى المياه العميقة لكن الدببة والذئاب تقف لها بالمرصاد وتصطاد منها بالعشرات. وربما تكون أجمل مشاهد الفيلم هي تلك اللقطات المثيرة التي يتمّ فيها اصطياد هذه الأسماك اللحيمة التي تشكّل الأكلة المفضّلة حتى للدياسم الصغيرة التي تدربت على الصيد أو أخذت فكرة عنه في الأقل. وإذا كان "أنبر" يأكل مع أمه على الدوام ويشاركها حصتها من السلمون الشهي فإن "سكوت" غالباً ما يخطف من الأم بعض صيدها ويأكله على انفراد. 
لا شك في أن الصيد بمخالب اليدين أو بأفواه الدببة جميل لكن اللقطات المثيرة واللافتة للانتباه هي تلك التي تقف فيها الدببة عند الشلالات والمساقط المائية ولا تكلف نفسها سوى عناء فتح الفم الذي تدخل فيه السمكة الكبيرة مباشرة وهي تجتاز الشلالات. وقد تكررت هذه اللقطات الجميلة غير مرة لتُنهي مصائر العديد من الأسماك التي لم تتوقع مثل هذه الأفخاخ المنصوبة عند المساقط المائية الساحرة للألباب.
لقد كَبُرَ الديسمان الصغيران، وتعلّما الصيد، وأدركا بالغريزة ربما أهمية الدفاع عن النفس، ودرء المخاطر، وتجنّب الحيوانات المفترسة الماكرة كي تنجو بجلدها وتبقى على قيد الحياة إلى أن يشتدّ عودها، وتقوى شكيمتها، وتصبح قادرة على العيش بأمان بعيداً عن رعاية الأم ووصايتها.
السُبات الشتوي
وما إن تبدأ أولى تباشير الشتاء بالحلول حتى تتهيأ "سكاي" وديْسماها الصغيران للشروع برحلة العودة إلى جبال "كاتماي" كي يلِجوا في مرحلة السبات الشتوي الطويلة، وقبلهما مباشرة كنا نشاهد الدُبّين الكبيرين ماغنوس وتشينوك وهما يلقيان النظرة الأخيرة على مضاربهما قبل أن يُيمِّما وجهيهما شطر الجبال العالية التي سوف تغطيها الثلوج بالكامل.
يستطيع المُشاهِد أن يعتبر قصة الفيلم برمتها تدور حول عائلة الدُبّة سكاي وطريقة عنايتها بصغيريها اللذين بدأ يتأهلان شيئاً فشيئاً. كما يمكن اعتبار الفيلم جولة في الحياة البريّة لمختلف الحيوانات سواء أكانت دِببة بُنيّة أم ذئاباً رمادية، أم عُقباناً وطيوراً جارحة أخرى، أم أسراباً من السلمون، أم أكداساً من الأسماك الصدفية المدفونة تحت رمال السواحل التي انحسرت عنها المياه. إنها رحلة ساحرة في تأمل صفحات الطبيعة الجبلية المغطاة بالثلوج، وهي استكشاف للغابات التي تكتظ بها الوديان والأراضي المنسبطة، كما أنها متعة بصرية لا تُضاهى وأنت تستمتع بمشاهد الدِببة البُنيّة والذئاب الرمادية وهي تصطاد أسماك السلمون في رحلتها المثيرة لوضع بيوضها في أعالي الأنهار والينابيع.
لابد من الإشارة إلى أن فيلم "دَببة" قد صُوِّر في "بارك كاتماي الوطني" في ألاسكا وهو موطن بِكر للحياة البرية ومحْمية من عبث العابثين، وخطر الصيادين الخارجين عن القانون. أُطلِق الفيلم في 18 نيسان من العام الماضي. كما قُدِّم ضمن برنامج عروض السينما العالمية في الدورة الثامنة لمهرجان أبو ظبي السينمائي وقد نال إعجاب المشاهدين الذين سبق لهم أن شاهدوا نتاجات المُخرجَين البريطانيين المعروفين ألاستير فوذَرغِل صاحب الأفلام الوثائقية المشهورة "أزرق عميق" 2003، "الأرض" 2007، "قطط أفريقية" 2011، و "الشمبانزي" 2012، وكيث سكولي الذي اشترك مع فوذَرغِل في إخراج "قطط أفريقية" و "دِببة".
أما أبرز الأفلام الوثائقية الطويلة التي تتمحور حول الحياة البرية أو الطبيعة فهي "نانوك ابن الشمال" 1922 لروبرت فلاهيرتي، و "الصحراء الحيّة" لجيمس ألغار. ويمكن الإشارة إلى فيلم "القارة السادسة" للمخرج الإيطالي فولكو كوليتشي، و "العالم الصامت" للمخرجين الفرنسيين جاك كوستو ولوي مال. و "الصياد الأخير" للفرنسي نيكولا فانييه. 
جدير ذكره بأن فيلم "مسيرة البطريق" 2005 لـ "لوك جاكيه" قد حاز على جائزة الأوسكار لأفضل فيلم وثائقي في العام ذاته. إنّ ما يجمع أفلام الطبيعية المُشار إليها سلفاً وفيلم "دَببة" موضوع البحث والدراسة هو توفرها على بناء رصين، وحبكة قوية، وشخصيات واضحة المعالم تتيح للمُشاهد فرصة التأمل أو حتى المشاركة في صنع الأحداث والتعاطف مع الأبطال وإن كان هذه الأخيرة ميزة خاصة تتمتع بها أفلام فوذَرغِيل وسكولي كما هو الحال في فيلمي "قطط أفريقية" أو "الشمبانزي" الذي أخرجه بالاشتراك مع مارك لينفيلد، هذا إذا ما وضعنا جانباً أن أفلام الطبيعة تتيح لمتلقيها سياحة مجانية إلى المضارب النائية في القارات السبع لكرتنا الأرضية، كما أنها توفر خطاباً بصرياً ينطوي على الكثير من الدهشة والمتعة والفائدة.
نقلاً عن جريدة المدى .
التعليقات